الشيخ السبحاني
233
رسائل ومقالات
وكان الذي تولّى كبره منهم عبد اللَّه بن أبي سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمتها شهراً والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يرثيني في وجعي ، غير أنّي لا أعرف من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم اللطف الذي كنت أرى من حين اشتكي إنّما يدخل فيسلم ثمّ يقول : كيف تيكم ؟ فذلك يحزنني ولا أشعر بالسرّ - إلى أن قالت : - استأذنت رسول اللَّه إلى بيت أبي فأذن لي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فجئت أبوي وقلت لُامي : يا أُمّاه ما ذا يتحدث الناس ؟ فقالت : أي بنية هوني عليك ، فوالله لقلّ ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها ، قلت : سبحان اللَّه أوقد يحدث الناس بهذا ؟ قالت : نعم ، فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم . ثمّ أصبحت أبكي ، ودعا رسول اللَّه أُسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب عليه السلام حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله ، فأمّا أُسامة فأشار على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالذي علم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال : يا رسول اللَّه هم أهلك ولا نعلم إلّا خيراً ، فأمّا علي بن أبي طالب - عليه أفضل الصلوات - فقال : لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثيرة ، وإن تسأل الجارية تصدقك ، فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بريرة ، فقال : يا بريرة ! هل رأيت شيئاً يريبك من عائشة ؟ قالت بريرة : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قطّ أغمضه عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها . قالت : وأنا واللَّه أعلم أنّي بريئة ، وما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه رؤيا يبرئني اللَّه بها ، فأنزل اللَّه تعالى على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتّى أنّه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الثاني من ثقل القول الذي أنزل عليه ، فلما سري عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : أبشري يا عائشة أما اللَّه فقد برّأك ، فقالت لي أُمي : قومي إليه ، فقلت : واللَّه لا أقوم